|
مولده ونشأته:
في العام 1927م كان ميلاد طفل صغير للحاج عبد
خطاب النجار، الذي آثر تسمية هذا الطفل " محمد " لعلمه بأنه من
خير الأسماء، ورغبته أن يكون هذا الطفل الصغير مقتدياً بصاحب
السيرة العطرة محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يكن يعلم هذا
الوالد بأن الله قد علم نيته الخالصة وكتب لهذا الطفل بأن يكون
كما أراده والده، كيف لا وهذا الطفل الذي نتحدث عنه هو نفسه
ذلك الشيخ الجليل الذي فقدته فلسطين يوم الجمعة الموافق
11/11/2011، إنه الحاج محمد عبد خطاب النجار.
نشأ الحاج محمد النجار في أسرة كريمة من خان
يونس، وقد عرف بين أقرانه بالهدوء وحسن الخلق، ولكنه في نفس
الوقت كان شعلةً في النشاط والحيوية. وقد ذكر ذلك عنه شقيقه
الأكبر الحاج عايش النجار الذي ذكر بأن الحاج محمد كان منذ
صغره محبوباً بين الجميع، فقد كان لا يتأخر عن مساعدة أحد من
الجيران أو الأصدقاء، وقد استمر على هذه الحال حتى وفاته رحمه
الله.
أسرته:
رُزق والداه بخمسة من الأبناء كان الحاج محمد
أوسطهم حيث إن له شقيقين وشقيقتين اثنان منهما أكبر منه واثنان
أصغر منه. وقد تزوج الحاج محمد النجار من فتاة مصرية خلال إحدى
زياراته لجمهورية مصر العربية، وأنجب منها 8 أبناء (خمسة من
البنين وثلاثة من البنات) كان الحاج محمد يحرص على تربيتهم
تربيةً إسلامية سليمة. وقد سبقته زوجته إلى رضوان الله في
العام 2009.
حياته:
لم يكن الحاج محمد النجار قادراً على الالتحاق
بالمدارس والجامعات لتحصيل الدرجات العلمية، وذلك بسبب ظروف
أسرته آنذاك وإمكانياتها المتواضعة، ولكنه في الوقت ذاته كان
يجتهد لتعلم الأحكام الإسلامية وحفظ القرآن الكريم والعمل على
نشر ما يتعلمه بين أهله وأصدقائه، فقد عاش الحاج محمد النجار
حياته مثابراً لخدمة دينه ووطنه بالتوازي مع عمله المتواصل
لتربية أبنائه وتنشئتهم، وكان يحث دوماً على ضرورة أن يُربّى
الأطفال بحيث يكونوا على قدر كافٍ من الوعي بعدالة قضيتهم مما
يؤهلهم لأن يشاركوا في نهضة المجتمع الفلسطيني وفقاً للأسس
والضوابط التي أرادها الله سبحانه وتعالى.
التحق الحاج محمد النجار بجماعة الإخوان
المسلمين، وكان عضواً فاعلاً فيها في قطاع غزة، وقد كان ذلك
بمثابة الوسيلة التي استطاع من خلالها أن يصل إلى ما كان يصبو
إليه من إنشاء جيل مسلم يكون على يديه نصر الأمة الإسلامية
ورفعتها، وقد كان من أقواله في هذا المجال: " الحمد لله الذي
أحياني هذه الفترة الطويلة في طريق الدعوة، وقد أراني خلالها
الكثير من الأمور التي أعز الله بها الإسلام على هذه الأرض
المباركة".
مساهمته في أعمال الخير:
كان أبرز ما تميز به الحاج محمد النجار قربه من
الناس، فجميع سكان محافظة خان يونس، بل إن الناس في قطاع غزة
بشكل عام عرفوا ذلك الرجل ذي اللحية البيضاء والوجه المنير
الذي لا يرد سائلاً ولا ينهر ضعيفاً، فقد كان بيته مقصداً
للفقراء والمحتاجين من مختلف مناطق خان يونس. ولإدراكه بأهمية
أن يكون هناك مؤسسات ترعى العمل الخيري وتنظمه بما يضمن مساعدة
جميع المحتاجين، فقد كان من إنجازات الحاج في حياته:
1.
المشاركة في تأسيس جمعية المجمع الإسلامي – فرع
غزة.
كان ذلك في العام 1973م حيث شارك الحاج محمد
النجار مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين في تأسيس جمعية المجمع
الإسلامي لتكون المؤسسة الإسلامية الأولى التي تقوم على رعاية
الأيتام والأسر الفقيرة في قطاع غزة. لتكون بذلك نموذجاً
يُقتدى به، لتصبح الجمعيات الإسلامية اليوم موزعة على جميع
محافظات فطاع غزة.
2.
تأسيس جمعية المجمع الإسلامي – فرع خان يونس.
بعد نجاح الفكرة بتأسيس جمعية المجمع الإسلامي
في محافظة غزة، ومن واقع حرص الحاج محمد النجار على خدمة
إخوانه من أبناء محافظة خان يونس، فقد حمل على عاتقه تأسيس فرع
للجمعية في خان يونس وشاركه في ذلك إخوةٌ كرام من كبار وأعيان
المحافظة، وبحمد الله فقد تطور عمل الجمعية واتسع ليشمل مجالات
متعددة، فقد أسست الجمعية عدة مدارس للعناية بتربية الأطفال
وتعليمهم أمور دينهم بالإضافة إلى المواد الدراسية الحكومية.
3.
تأسيس جمعية الرحمة الخيرية، التي كان يرأس
مجلس إدارتها حتى وفاته.
وفي عام 1993م أسس الحاج محمد النجار جمعية
الرحمة الخيرية التي كانت تقوم على رعاية الأيتام والفقراء،
ليتطور عملها وتكبر مع كبر الحاج محمد بحيث أصبحت جمعية الرحمة
الخيرية الآن رائدة العمل الخيري في محافظة خان يونس، وقد كان
الحاج – رحمه الله – يتابع كافة مشاريع الجمعية ويعطي توجيهاته
ونصائحه النابعة من خبرته الطويلة، وهو ما أثمر وجود ثلاث
مراكز طبية متميزة تابعة للجمعية، إضافة إلى مشروع زراعي يساهم
في توفير احتياجات السوق المحلي بمنتجات ذات جودة عالية، كما
أقامت جمعية الرحمة الخيرية مسجد المتقين والعمل جارٍ لإعادة
إنشاء مسجد الشهيد عبد اللطيف السقا. ويعتبر المشروع الأبرز
الذي أنشئ في حياة الحاج محمد النجار هو مشروع مياه الرحمة،
الذي كانت التحضيرات النهائية لافتتاحه تُجرى في الأيام
الأخيرة له رحمه الله، ولكنه بالرغم من مرضه كان دائم السؤال
عن المشروع وما تم إنجازه فيه.
ولعل من أبرز من سيفتقد الحاج محمد النجار هم
موظفو جمعية الرحمة الخيرية الذين كانوا يعيشون معه حياته
اليومية، بالإضافة إلى أولئك الذين كانوا يقصدون الجمعية طلباً
للمساعدة فيعطي الحاج إشارته بمساعدتهم.
4.
المشاركة في تأسيس مستشفى دار السلام.
في العام 1996 شارك الحاج محمد النجار في تأسيس
مستشفى دار السلام، وشغل فيها منصب رئيس مجلس الإدارة. وهذا
يُظهر بوضوح الجانب المشرق من حياته، حيث كان يسعى إلى
المساهمة في كل جهد يهدف إلى التخفيف من معاناة أبناء الشعب
الفلسطيني.
5.
كما كان حتى وفاته – رحمه الله – عضواً لمجلس
أمناء الجامعة الإسلامية.
وبالرغم من عدم حصوله على الدرجات العلمية
العليا، إلى أن الحاج محمد النجار كان معلماً يستفيد أهل العلم
من حكمته وخبرته الطويلة في الحياة، وذلك فقد تم اختياره ليكون
عضواً في مجلس أمناء الجامعة الإسلامية.
وقفات مع حياة الحاج محمد النجار:
1.
الإصلاح بين الناس: وضع الله للحاج محمد النجار
القبول عند الناس، فلم يكن يتدخل في خلاف أو مشكلة بين عائلتين
أو خصمين إلا وتنازل كل منهما عن بعض حقوقه، بل ربما عن كامل
حقه توقيراً واحتراماً للحاج محمد النجار الذي كان يسعى بين
الناس بالصلاح لإطفاء أي فتيل للعصبية أو الجاهلية قبل
اشتعاله.
2.
المشاركة في المناسبات الاجتماعية والوطنية:
كان رحمه الله لا يتخلف عن مجاملة أحد، فتجده حاضراً في كافة
المناسبات للعائلات يفرح لفرحهم ويواسيهم في أحزانهم، وكان
بالرغم من كبر سنه يحرص على المشاركة في المناسبات الوطنية
التي تهم الشعب الفلسطيني، حتى في أوقات مرضه كان يتحامل على
نفسه ويصر على المشاركة حتى لا يفتقده أحد ممن عهدوا وجوده
بينهم.
3.
العطف الدائم على المحتاجين: من أجمل وأعظم
المواقف التي كان الحاج محمد النجار يسطر فيها نموذجاً رائعاً
للعطاء، أن العديد من الفقراء وأصحاب الحاجات كانوا يقصدون منذ
الصباح الباكر منزله طلباً للمساعدة فكان – رحمه الله – لا يرد
أحداً منهم، وإذا لم يكن لديه ما يساعده، فكان يحضرهم معه عند
حضوره إلى جمعية الرحمة الخيرية لتتم مساعدتهم كلٌ حسب حاجته.
4.
استقبال الوفود المتضامنة مع قطاع غزة: لم
يقتصر مجهود الحاج محمد النجار على العمل داخل قطاع غزة، فقد
كان سيتقبل الوفود التي تدخل القطاع للتضامن مع المحاصرين من
أبناء الشعب الفلسطيني، وقد كان أعضاء تلك الوفود يرون فيه
مثالاً للأب الذي يحرص على أبنائه، فيزداد إعجابهم بشخصيته
وتقديرهم لجهوده.
5.
النصح والإرشاد: كان الحاج محمد النجار يتمثل
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة " ، فلا يمل
من توجيه النصح لمن يعرف ومن لا يعرف، بل إنه كان يوجه نصائحه
للمسئولين ولأصحاب القرار كلما أُتيحت له الفرصة لذلك داعياً
إياهم لأن يرفقوا بالناس ويتعاملوا معهم بشكل أخوي.
إن
الكلمات السابقة تعتبر لمحةً بسيطةً من حياة الحاج محمد النجار
المليئة بالمواقف العظيمة، ولو تحدثنا عن سيرة الحاج محمد
النجار ومسيرته في عمل الخير لما استطعنا أن نؤديه حقه، ولكن
حسبه أن كل ما ذكرناه من أعمال الخير التي تقوم بها الجمعيات
التي أسسها أو ساهم في تأسيسها ستكون في صحائف أعماله يوم
القيامة بإذن الله. وإذا كانت مسيرة الحاج محمد في عمل الخير
قد كان آخر مراحلها في جمعية الرحمة الخيرية، فإن أبنائه الذين
رباهم من موظفي الجمعية أو غيرها من المؤسسات هم بفضل الله أهل
لإكمال تشييد البناء الذي أسس أركانه الحاج محمد النجار رحمه
الله. |